منوعات

التجربة الكندية لن تبقى يتيمة… تغيّر المناخ سيحصد أرواحاً في الشرق الأوسط والعالم

قُتل مئات المواطنين بسبب درجات حرارة قياسية في أقصى غرب كندا، حيث حذّر المسؤولون من أنّ الخسائر المروّعة من “القبة الحرارية” قد ترتفع مرة أخرى مع الإبلاغ عن المزيد من الوفيات.

يوم الجمعة، قال كبير المحققين في كولومبيا البريطانية، إنّه تم الإبلاغ عن 719 “حالة وفاة مفاجئة وغير متوقعة” خلال الأسبوع الماضي – وهي توازي ثلاثة أضعاف العدد خلال فترة مماثلة في عام عادي.

وكشفت صحيفة “غارديانز” البريطانية أنّ خلال هذا الأسبوع في شمال غرب المحيط الهادئ، لم يتم تحطيم سجلات درجات الحرارة فحسب، بل تم طمسها. إذ وصلت درجات الحرارة إلى 47.9 درجة مئوية في كولومبيا البريطانية، كندا. فيما مات المئات من الإجهاد الحراري، مع “التواء الطرق وانصهار كابلات الكهرباء”، وسط درجات الحرارة التي تتوفر عادة في الصحراء الكبرى.

و تساءل العلماء، فيما تقوى أزمة المناخ أكثر في الصيف، وقت الحرارة المتزايدة الخطورة، كيف أصبحت بلدة صغيرة في كندا واحدة من أكثر الأماكن سخونة على وجه الأرض؟

شهدت خمس دول في الشرق الأوسط موجة حارة أخرى في وقت سابق من شهر يونيو (حزيران)، وصلت خلالها الحرارة إلى  أعلى من 50 درجة مئوية. وقد وصلت درجات الحرارة الشديدة إلى باكستان، حيث ورد أن 20 طفلاً في فصل واحد فقدوا الوعي واحتاجوا إلى العلاج في المستشفى بسبب الإجهاد الحراري.

والاحترار الإضافي الناجم عن انبعاثات غازات الاحتباس الحراري يعني أن مثل هذه الموجات الحارة الشديدة هي أكثر احتمالًا، ويمكن للعلماء الآن حساب الزيادة في احتمالية حدوثها. على سبيل المثال، كانت موجة الحرّ الأوروبية عام 2019 التي قتلت 2500 شخص أكثر احتمالا بخمس مرات مما كانت ستحدث لولا الاحتباس الحراري.

وكشف العلماء أنّه في معظم الأماكن، ستسبب موجات الحر الشديدة في مشاكل عدة، من تعطيل الاقتصاد إلى انتشار الوفيات. وقالوا إنّه في أماكن في الشرق الأوسط وآسيا يظهر شيء مرعب حقًا: “الحرارة غير قابلة للعيش”.

يمكن للبشر تحمّل درجات حرارة تزيد عن 50 درجة مئوية عندما تكون الرطوبة منخفضة، لكن عندما تكون درجات الحرارة والرطوبة مرتفعة، فلا مجال للتعرّق. ما يهم هو درجة حرارة “البصيلة الرطبة” – التي تُعطى بواسطة مقياس حرارة مغطى بقطعة قماش مبللة – والتي توضح درجة الحرارة التي يحدث عندها التبريد التبخيري من العرق أو الماء. لا يمكن للبشر البقاء على قيد الحياة لفترة طويلة عند التعرّض لدرجة حرارة بصيلة مبللة تتجاوز 35 درجة مئوية، لأنه لا توجد وسيلة لتبريد أجسامنا، ولا حتى في الظل ولا حتى مع الماء غير المحدود.

وكان يُعتقد أن درجة حرارة المصباح الرطب 35 درجة مئوية مستحيلة؛ لكن العلماء أفادوا العام الماضي أن المواقع في الخليج الفارسي ووادي نهر السند في باكستان قد وصلت بالفعل إلى هذه العتبة، على الرغم من أن ذلك كان لمدة ساعة أو ساعتين فقط، وفقط في مناطق صغيرة. ونظرًا لأن تغيّر المناخ يؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة، فمن المتوقع أن تستمر موجات الحر ودرجات الحرارة غير الصالحة للعيش لفترة أطول وأن تحدث في مناطق أكبر وفي مواقع جديدة، بما في ذلك أجزاء من إفريقيا وجنوب شرق الولايات المتحدة، على مدى العقود القادمة.

ماذا يمكن للحكومات والشركات والمواطنين أن يفعلوا؟

 أولاً، قطع إمدادات موجات الحرارة الشديدة عن طريق خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون إلى النصف هذا العقد، ثم الوصول إلى صافي الانبعاثات الصفرية بحلول عام 2050.

ثانيًا، الاستعداد لموجات الحرّ الحتمية في المستقبل. إذ يمثل التخطيط في حالات الطوارئ للصحة العامة الأولوية الأولى: الحصول على المعلومات الأساسية للأشخاص، ونقل الأشخاص المعرّضين للخطر إلى مواقع مكيّفة الهواء. ويجب أن تتضمن تنبؤات الموجة الحارة درجات حرارة اللمبة الرطبة حتى يتمكّن الناس من تعلّم فهم المخاطر.

يجب أن تأخذ الخطط في الاعتبار حقيقة أنّ موجات الحرّ تزيد من التفاوتات الهيكلية. عادة ما يكون للأحياء الفقيرة مساحات خضراء أقلّ وبالتالي ترتفع درجة حرارتها بشكل أكبر؛ في حين أن العمال في الهواء الطلق، الذين يتقاضون رواتب منخفضة في كثير من الأحيان، معرّضون للخطر بشكل خاص. يشتري الأثرياء أيضًا معدات تبريد بأسعار مرتفعة بمجرد أن تبدأ الموجة الحارة ولديهم العديد من الخيارات للفرار، مما يؤكد أهمية التخطيط للصحة العامة.

إلى جانب إدارة الأزمات، تحتاج الحكومات إلى الاستثمار في جعل البلدان تعمل في المناخ الجديد الذي نخلقه، بما في ذلك الظواهر المتطرفة. في مصطلحات سياسة المناخ، يُعرف هذا باسم “التكيّف”.

من الأهمية بمكان أيضاً، أن تكون إمدادات الطاقة مرنة في مواجهة موجات الحرارة، حيث سيعتمد الناس على الكهرباء للتبريد من وحدات تكييف الهواء والمراوح والمجمدات، وكلّها منقذة للحياة في موجة الحر. وبالمثل، يجب أن تكون اتصالات الإنترنت ومراكز البيانات محمية بالمستقبل، لأنّ هذه خدمات أساسية يمكن أن تكافح في ظل الحرارة.

بالإضافة إلى ما سبق، هناك حاجة إلى لوائح جديدة للسماح للمباني بالحفاظ على البرودة ولأنظمة النقل، من الطرق إلى القطارات، لتكون قادرة على العمل في ظلّ درجات حرارة أعلى بكثير.

يمكن للعديد من هذه التغييرات مواجهة تحديات أخرى. تُعد المنازل ذات التصميم الرجعي لتكون موفّرة للطاقة أيضًا فرصة مثالية لتعديلها لإبقائها باردة أيضًا. على سبيل المثال، تركيب مضخات حرارية كهربائية لتدفئة المنازل في الشتاء، ويمكن في الصيف تبديلها لتعمل في الاتجاه المعاكس لتعمل كنظام تبريد. يمكن الحفاظ على برودة المدن مع الأسطح الخضراء والمزيد من المساحات الخضراء، مما يجعلها أيضًا أماكن أفضل للعيش.

المهمة النهائية، هي الزراعة المقاومة للمستقبل والنظم البيئية الأوسع التي نعتمد عليها جميعًا في النهاية.  إذ يمكن أن تسبب الحرارة فسادًا في إنتاج المحاصيل.

في بنغلاديش، دمّر الهواء الساخن لمدة يومين فقط في أبريل/ نيسان من هذا العام 68 ألف هكتار من الأرز، مما أثر على أكثر من 300 ألف مزارع بخسائر بلغت 39 مليون دولار أميركي (28 مليون جنيه إسترليني).

بالنظر إلى هذه التحديات الهائلة، كيف تتعامل الحكومات مع التكيّف مع المناخ؟ بطريقة سيئة للغاية. فقد ألزمت اتفاقية باريس بشأن تغيّر المناخ البلدان بتقديم خطط التكيف الخاصة بها، لكن 13 دولة فقط فعلت ذلك. إحدى هذه الدول هي المملكة المتحدة، ولكن تم الحكم على الخطط الحكومية من قبل مستشاريها المستقلين على أنها “فشلت في مواكبة الواقع المتدهور لمخاطر المناخ”.

سوف تحتاج محادثات المناخ في غلاسكو كوب 26، إلى تسليط الضوء على تخطيط التكيّف وتمويل البلدان المعرّضة للخطر. وللحدّ من آثار موجات الحر الأكثر شراسة من أي وقت مضى، يجب أن يسير تقليل الانبعاثات جنبًا إلى جنب مع التكيّف مع العالم شديد الحرارة الذي نخلقه.

أحوال

ترجمة عن دا غارديانز

أحوال

موقع أخباري يصدر عن شركة مدنية غير ربحية في بيروت، يقدم من خلال مساحة رقمية حرة وعصرية أخبارًا سريعة، عظيمة الثقة، لافتةً للنظر، ثريةً، وتفسيرًا للاتجاهات الحالية والمستقبلية، التي تؤثر في أحوال الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى